قال موقع "ذا ريبورتر إثيوبيا"، إنه لا ينبغي أن يكون رد فعل مصر الغاضب على اعتزام إثيوبيا بناء سدود جديدة على النيل مفاجئًا، "لكن ما يجب أن يقلق الإثيوبيين ليس فقط حدة خطاب مصر، بل أيضًا المساحة الدبلوماسية التي تتنازل عنها إثيوبيا باستمرار بالسماح للرواية المصرية بالهيمنة على النقاش الدولي".
وأشار في هذا الإطار إلى وصف مصر خطط إثيوبيا بأنها انتهاك خطير للقانون الدولي، وتحذيرها مجددًا من امتلاكها "أدوات متعددة" لحماية ما تسميه أمنها المائي الوجودي.
ويأتي هذا الصدام الأخير في أعقاب سنوات من الخلاف حول سد النهضة، الذي افتتحته إثيوبيا في سبتمبر 2025 بعد أكثر من عقد من البناء والمفاوضات.
تطوير بنية تحتية مائية
وبحسب التقرير، "لم يعد جوهر القضية يقتصر على ما إذا كان لإثيوبيا الحق في تطوير بنية تحتية مائية إضافية، بل يتعداه إلى ما إذا كانت أديس أبابا مستعدة للدفاع عن هذا الحق بنفس العزم الدبلوماسي الذي أبدته في بناء سد النهضة".
وأضاف: "ينبغي لإثيوبيا أن تتوقف عن التصرف وكأنها في محاكمة دائمة. فلها مصلحة سيادية مشروعة في تنمية مواردها المائية. ويقر القانون الدولي المعاصر للمياه بمبدأ الاستخدام العادل والمعقول للمجاري المائية الدولية، كما يلزم الدول باتخاذ خطوات معقولة لتجنب إلحاق ضرر جسيم بالدول الأخرى المطلة على النهر".
ووفقًا له، فإنه لا ترقى هذه المبادئ إلى حظر شامل للتنمية في أعالي النهر، كما أنها لا تمنح دول المصب حق النقض التلقائي على المشاريع في أراضي أعالي النهر.
لكنّه يرى أن" الصواب من حيث المبدأ لا يكفي"، إذ "كان ينبغي لتجربة سد النهضة أن تُعلّم الأمة أن الدبلوماسية الدولية ليست قاعة محكمة ينتصر فيها أقوى الحجج القانونية تلقائيًا. فالروايات مهمة، والتحالفات مهمة، والتوقيت مهم، والمشاركة المستمرة مهمة. وفوق كل ذلك، غالبًا ما تتمتع الدولة التي تُوضّح موقفها بفعالية أكبر بميزة على الدولة التي تُصرّ فقط على أنها على حق".
النيل قضية وجودية
وعلى ضوء ذلك، يقول: "لقد نجحت مصر ببراعة استثنائية في تصوير النيل كقضية وجودية. فقد دأبت على تأطير تنمية إثيوبيا في أعالي النهر بلغة التهديد وانعدام الأمن والأحادية. ونسقت القاهرة والخرطوم مواقفهما في المحافل الإقليمية والدولية، وطالبتا باستمرار بالإخطار المسبق والتشاور وتقديم ضمانات بشأن أمن المياه في المصب".
وأكد أنه "لا يمكن لإثيوبيا أن ترد على هذه الاستراتيجية بمجرد تكرار أن النيل مورد سيادي وأن سد النهضة مشروع تنموي، بل تحتاج إلى حملة دبلوماسية أكثر تطورًا. يجب أن تبدأ هذه الحملة بالتمييز بشكل قاطع بين حق إثيوبيا السيادي في الاستخدام العادل للنهر وأي نية للإضرار بمصر أو السودان".
وتابع: "على إثيوبيا أن تؤكد، بشكل متكرر ومقنع، أن بناء سدود إضافية لا يعني السعي لحرمان دول المصب من مصالحها المشروعة. فالسدود الكهرومائية، المصممة والمشغلة بشكل سليم، قادرة على تنظيم تدفق المياه، والحد من الفيضانات المدمرة، وتحسين القدرة على التنبؤ بتصريف المياه. وقد أثبت سد النهضة نفسه أن البنية التحتية لإثيوبيا في أعالي النهر لا يجب أن تُترجم إلى اضطراب كارثي في المصب. لم تُسجّل أيّة اضطرابات كبيرة في المراحل اللاحقة خلال فترة التعبئة. يجب إيصال هذه الرسالة إلى ما هو أبعد من البيانات الرسمية في أديس أبابا، لتصل إلى واشنطن وبروكسل والعواصم الأفريقية ودول الخليج والمؤسسات المالية الدولية والجامعات ومراكز الأبحاث ووسائل الإعلام العالمية".
دخول واشنطن في النزاع
وعلى ضوء قراءته للأوضاع، يحذر التقرير من أنه "تزداد المخاطر حدةً مع دخول واشنطن مجددًا في النزاع. ففي يناير، عرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استئناف الوساطة الأمريكية بين إثيوبيا ومصر، واضعًا تقاسم مياه النيل ضمن أولوياته المعلنة. وقد رحبت مصر والسودان بهذه المبادرة".
وركز ترامب في طرحه على إمكانية التنبؤ بتدفقات المياه في المصب، وأعرب عن قلقه إزاء السيطرة الأحادية على النيل، غير أنه وبحسب ما يخلص التقرير، فإنه "ومهما كانت نوايا واشنطن النهائية، ينبغي لإثيوبيا أن تُدرك الخطر الدبلوماسي المتمثل في السماح للولايات المتحدة بالتعامل مع النزاع بشكل أساسي من خلال طرح القاهرة. يجب ألا ترفض إثيوبيا المشاركة الأمريكية بشكل تلقائي، ولا أن تقبل الوساطة بشروط تُحدد النتيجة مسبقًا".
واستدرك قائلاً: "بل ينبغي لها أن ترحب بمشاركة طرف ثالث بنّاءة، مع الإصرار على أن تستند أي عملية إلى القانون الدولي للمياه المطبق عالميًا، ومصالح جميع دول حوض النيل، ومبدأ الاستخدام العادل والمعقول للمياه".
ومضى: "ينبغي لإثيوبيا أن توضح أيضًا أن التعاون يجب أن يكون متبادلاً. فإذا طالبت مصر دول المنبع بمراعاة مصالح دول المصب، فعلى القاهرة أن تعترف بمصالح التنمية لدول المنبع. لا يمكن لنهج شامل لحوض النيل أن يحافظ على أنماط الاستخدام التاريخية إلى أجل غير مسمى، بينما يُطلب من الدول التي استُبعدت إلى حد كبير من الترتيبات السابقة قبول قيود دائمة على تنميتها".
وأشار إلى أنه "لا يمكن إدارة النيل كما لو أن التاريخ توقف عند عام 1959. فالنهر نفسه الذي يُغذي الزراعة في مصر وسكانها يجب أن يخدم أيضاً احتياجات التنمية في إثيوبيا ودول المنبع الأخرى. لذا، لا يمكن أن يكون الحل طويل الأمد هو مواجهة دائمة حول من له الحق التاريخي الأكبر، بل يجب أن يكون إطارًا حديثًا شاملاً لحوض النيل، يُراعي أمن المياه والتنمية وإنتاج الطاقة والاستدامة البيئية وتقلبات المناخ معًا".
الدبلوماسية الاستراتيجية
لذا، قال إنه "يتعين على إثيوبيا الانتقال من الدبلوماسية الدفاعية إلى الدبلوماسية الاستراتيجية. فعندما تُصدر مصر تهديدًا، ينبغي لإثيوبيا الرد بهدوء وفورًا. وعندما تنتشر ادعاءات مُضللة دوليًا، ينبغي لإثيوبيا دحضها بالأدلة بدلًا من الغضب. وعندما تتدخل واشنطن أو أي جهة خارجية أخرى، ينبغي أن يكون للدبلوماسيين الإثيوبيين موقف قانوني وتقني واضح المعالم. وعندما تُطرح المفاوضات، ينبغي لإثيوبيا الدخول فيها لا كطرف مُتهم يسعى للحصول على إذن بالتطوير، بل كدولة مُتساوية تسعى إلى اتفاق عادل ودائم. لقد أنجزت البلاد بالفعل بناء سد النهضة الإثيوبي الكبير. والتحدي التالي هو بناء بنية دبلوماسية قادرة على حماية ما يُمثله هذا الإنجاز".
وشدد على أنه "لا تحتاج إثيوبيا للاختيار بين الدفاع عن حقوقها السيادية واحترام المصالح المشروعة لمصر والسودان. بإمكانها، بل يجب عليها، القيام بالأمرين معًا. لا ينبغي أن يتحول النيل إلى صراعٍ محصلته صفر، يُصوَّر فيه تنمية إثيوبيا على أنها حرمانٌ لمصر، أو أمن مصر المائي على أنه استسلامٌ لإثيوبيا. لكن تحقيق هذا التوازن يتطلب من إثيوبيا التوقف عن السماح للآخرين بتحديد شروط النقاش. تمتلك إثيوبيا موقفًا قانونيًا وأخلاقيًا قويًا للاستخدام العادل للنيل، وهي الآن بحاجة إلى موقف دبلوماسي لا يقل قوة".
https://www.thereporterethiopia.com/52434/

